الراغب الأصفهاني

223

الذريعة إلى مكارم الشريعة

وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ « 1 » الآية وقوله : فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ « 2 » فنبّه تعالى أنهم ينكرون ما يقولونه ويفعلونه لمعرفتهم ببطلانه ، ولكن يستكبرون عن التزام الحق وذلك حال إبليس فيما دعى إليه من السجود لآدم عليه السّلام . والجنون : هو عارض يغمر العقل ، والحمق : قلة التنبه لطريق الحق ، وكلاهما يكونان تارة خلقة وتارة يكونان عارضا ، وقد عظم الحمق ما لم يعظم الجنون . وقد قصد الشاعر ( ذلك ) في قوله : لكل داء دواء يستطب به * إلا الحماقة أعيت من يداويها وقد ذكرت حكاية هي وإن لم تصح فنافع ذكرها ، وهي أن عيسى عليه السّلام أتى بأحمق ليداويه فقال : أعياني مداواة الأحمق ، ولم يعيني مداواة الأكمه والأبرص . ومما يفرق به بينهما أن المجنون : يكون غرضه الذي يريده ويؤمه فاسدا ويكون سلوكه إلى غرضه صوابا ، والأحمق الذي يكون غرضه الذي يريده صحيحا وسلوكه « 3 » إليه خطأ ، وبهذا يعرف المجنون : إذا رئي بإرادته قبل سلوكه إلى مراده ، والأحمق : لا يعرف بمراده بل بسلوكه . ولهذا متى صحت إرادة المجنون صح فعله حتى تتعجب كثيرا من فلتات

--> ( 1 ) المنافقون / 5 . ( 2 ) النحل / 22 . ( 3 ) « ويكون سلوكه إلى غرضه صوابا ، والأحمق الذي يكون غرضه الذي يريده صحيحا » هذا سقط من ط ، مع أهميته لأن الحديث عن الفرق بين المجنون والأحمق .